الشيخ محمد الصادقي الطهراني
253
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ثم « موعظة » تراها تخص تبيُّن حكم اللَّه للمتخلف ؟ وليست معرفة حكم اللَّه بنفسها موعظة يُنتهى بها ، فقد ينتهي العارف به عن جهله ، وهو مصرٌ فيما كان قبلها ، وأخرى ينتهي عن جهالته بعد علمه ، ولا يعني الانتهاء هنا - وبخاصة في النكر لحرمتها - انتهاءَه عن نكرانه بعد علمه ، بل هو انتهاء عن كل ما كان من نكران واقتراف لذنبه ، وذلك الانتهاء لا واقع له لزاماً إلَّا بموعظة ، لا - فقط - بعلمه بعد جهله ، فكثير هؤلاء الذين يعلمون الحرام ويقترفونه متجاهلين ، جهالة لا جهلًا بحكمه ، « فالموعظة التوبة » « 1 » حيث تستتبعها . إذاً فكما عمت « فمن جاءه » كل آكلي الربا كافرين ومؤمنين - فيمن عمتهم من العصات - كذلك « موعظة » تعمهم كلَّهم ، فقد تكفي معرفة حكم اللَّه موعظة فهي - إذاً - معرفته ، أم لا تكفي إلّا بعظة أخرى تُمَحْوِر حكم اللَّه ، كدعوة بموعظة حسب المرسوم العام : « أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن » حيث الدعوة مراحل ومنها - كما هنا - الموعظة بعد المعرفة . إذاً ف « موعظة » طليقة في كل ما يُنهي المعصية ، بعد جهل أو جهالة ، وهنا نفس الانتهاء بموعظة - في كل تخلف عن شرعة اللَّه ، عقيدياً أو عملياً - إنه توبة صالحة إذا كانت دون عودة ، وقضيتها « فله ما سلف » من كفر أو فسق ، تعدياً في حقوق اللَّه أم في حقوق الناس ، أو فيهما . والقدر المعلوم من « له ما سلف » غفران السالف من كفر أو ذنب ، وأما الغفران عن حقوق الناس ، فهو مهما كان رحمةً على المتعظ وترغيباً له على الإتعاظ ، ولكنه نقمة على الناس المظلومين في حقوقهم ؟ فكيف يعفى عن حقوق الناس وهو ظلم بحقهم مهما كان فضلًا للظالمين التائبين ! . هنا « وأمره إلى اللَّه » قد تلمح أنه لم ينته بعدُ أمره ككلٍّ لا في نفسه ولا فيما سلف ، فالمنتهي منه دون ريب هو استحقاق العقوبة بما سلف إن لم يعد وغير المنتهي منه ما يرجع إلى الناس ، واللَّه هو المقرر له بحكمه وكما حكم . فقد يتضح بأن « لكم رؤوس أموالكم » - فقط - كما لكم ما سلف ولم يبق ، وأما « ما بقي من الربا » كيفما كان البقاء فلا . ولو أن « فله ما سلف » كانت طليقة بالنسبة لكل ما سلف ، شاملة لحقوق الناس إلى
--> ( 1 ) . في صحيحة محمد بن مسلم في الآية « والموعظة التوبة » ( التهذيب 2 : 122 )